فوزي آل سيف

25

سيد الجنة : الإمام الحسن بن علي

قيس بن سعد رضي الله عنه وكان قد أنفذه مع عبيد الله بن العباس عند مسيره من الكوفة، ليلقى معاوية فيرده عن العراق، وجعله أميرا على الجماعة وقال: "إن أصبت فالأمير قيس بن سعد فوصل كتاب ابن سعد يخبره أنهم نازلوا معاوية بقرية يقال لها الحبونية[62]بإزاء مسكن، وأن معاوية أرسل إلى عبيد الله بن العباس يرغبه في المصير إليه، وضمن له ألف ألف درهم، يعجل له منها النصف، ويعطيه النصف الآخر عند دخوله الكوفة، فانسل عبيد الله بن العباس في الليل إلى معسكر معاوية في خاصته، وأصبح الناس قد فقدوا أميرهم، فصلى بهم قيس رضي الله عنه ونظر في أمورهم. فازدادت بصيرة الحسن عليه السلام بخذلان القوم له، وفساد نيات المحكمة فيه بما أظهروه له من السب والتكفير واستحلال دمه ونهب أمواله، ولم يبق معه من يأمن غوائله إلا خاصة من شيعته وشيعة أبيه أمير المؤمنين عليه السلام، وهم جماعة لا تقوم لأجناد الشام. فكتب إليه معاوية في الهدنة والصلح، وأنفذ إليه بكتب أصحابه التي ضمنوا له فيها الفتك به وتسليمه إليه، واشترط له على نفسه في إجابته إلى صلحه شروطًا كثيرة وعقد له عقودًا كان في الوفاء بها مصالح شاملة، فلم يثق به الحسن عليه السلام وعلم احتياله بذلك واغتياله، غير أنه لم يجد بدا من إجابته إلى ما التمس (من ترك) الحرب وإنفاذ الهدنة، لما كان عليه أصحابه مما وصفناه من ضعف البصائر في حقه والفساد عليه والخلف منهم له، وما انطوى كثير منهم عليه في استحلال دمه وتسليمه إلى خصمه، وما كان في خذلان ابن عمه له ومصيره إلى عدوه، وميل الجمهور منهم إلى العاجلة وزهدهم في الآجلة. فتوثق عليه السلام لنفسه من معاوية لتأكيد الحجة عليه، والإعذار فيما بينه وبينه عند الله عز وجل وعند كافة المسلمين، واشترط عليه ترك سب أمير المؤمنين عليه السلام والعدول عن القنوت عليه في الصلوات، وأن يؤمن شيعته رضي الله عنهم ولا يتعرض لأحد منهم بسوء، ويوصل إلى كل ذي حق منهم حقه. فأجابه معاوية إلى ذلك كله، وعاهده عليه وحلف له بالوفاء به. فلما استتمت الهدنة على ذلك، سار معاوية حتى نزل بالنخيلة،[63]وكان ذلك يوم جمعة فصلى بالناس ضحى النهار، فخطبهم وقال في خطبته: إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا، إنكم لتفعلون ذلك، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون. ألا وإني كنت منيت الحسن وأعطيته أشياء، وجميعها تحت قدمي لا أفي بشيء منها له.[64] ثم سار حتى دخل الكوفة فأقام بها أيامًا، فلما استتمت البيعة له من أهلها، صعد المنبر فخطب الناس، وذكر أمير المؤمنين عليه السلام فنال منه ونال من الحسن، وكان الحسن والحسين صلوات الله

--> 62 ) لعلها منطقة الحبانية المجاورة الآن للرمادي في العراق وبإزائها على نفس الخط مسكن في الشام. 63 ) معسكر خارج الكوفة بحوالي عشرة كيلومترات 64 (وقد رد السيد البدري في كتابه الإمام الحسن في مواجهة الانشقاق الأموي / 114 رواية (وجميعها تحت قدمي) وما يظهر منها أن وقتها كان بعد الصلح مباشرة بتضعيف أسانيدها الثلاثة باعتبار أنه وإن نقلها الشيخ المفيد – مرسلة – لكنه قد اعتمد على ما نقله أبو الفرج في مقاتل الطالبيين. وبأن ما يصح الاحتجاج به لم يحدد وقت مخالفة معاوية الشروط.